الشيخ محمد رشيد رضا
128
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الحكام خاصة . قال الأستاذ الامام بعد ما أورد هذا المعنى عن بعضهم وهذه مشاغبة وتشكيك كمشاغبات الرازي وشكوكه والخطاب مفهوم بالبداهة ، والآية جارية على أسلوب القرآن في مخاطبة جماعة المؤمنين في الشؤون العامة والمصالح لاعتبار الأمة متكافلة ومطالبة بتنفيذ الشريعة وحفظها وبالخضوع لاحكامها كما تقدم بيانه في مخاطبة اليهود باسناد ما كان من آبائهم إليهم إذ قلنا إن الأمة في هدى القرآن كالشخص الواحد يخاطب البعض منها بالكل والكل بالبعض ، كما يقال للشخص جنيت وجنت يدك وأخطأت وأخطأ سمعك أو رأيك . ففي هذا الخطاب بالقصاص يدخل القاتل لأنه مأمور بالخضوع لحكم اللّه ، ويدخل الحاكم لأنه مأمور بالتنفيذ ، ويدخل سائر المسلمين لأنهم مأمورون بمساعدة الشرع وتأييده ، ومراقبة من يختارونه للحكم به وتنفيذه اه وأزيد عليه إفادة الآية وأمثالها ان سلطة الحكم في الاسلام للأمة في جملتها ، كل يقوم بقسطه من الاجتهاد في التشريع بالشورى والتنفيذ للاحكام والخضوع لها بشروطها بعد أن بين تعالى وجوب القصاص وهو أصل العدل ، ذكر أمر العفو وهو مقتضى التراحم والفضل ، فقال فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ الخ اي فمن عفاله أخوه في الدين من أولياء الدم عن شيء من حقهم في القصاص ولو واحدا منهم ان تعددوا وجب اتباعه وسقط القصاص كما يأتي ، وانما يعفو من له حق طلب القصاص ، وقد جعل اللّه هذا الحق لأولياء المقتول وهم عصبته الذين يعتزون بوجوده ويهانون بفقده ، ويحرمون من عونه ورفده ، فمن أزهق روحه كان لهم ان يطلبوا ازهاق روحه ، لما تستفزهم اليه نعرة القرابة وطبيعة المصلحة . فإذا لم يجب طلبهم ، ولم يقتص الحاكم لهم ، فإنهم ربما يحتالون للانتقام ، ويفشو بينهم وبين القاتل وقومه التشاحن والخصام ، وإذا جاء العفو من جانبهم أمن المحذور والفتنة ، ولا سيما إذا كان من أسباب العفو استعطاف القاتل وقومه لهم ، واستعتابهم إياهم ، بإثارة عاطفة الاخوة الدينية ، وأريحية المروءة والانسانية ، ففي مثل هذه الحالة يوجب اللّه تعالى حجب الدم ، وليس للحكومة ان تمتنع من العفو إذا رضوا به ، ولا ان أن تستقل بالعفو إذا طلبوا القصاص فتحفظ قلوبهم ، وتخرج أضغانهم ، وتحملهم